الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
73
حاشية المكاسب
والمنافع لا تكون مبيعة وهكذا الحقوق الَّتي سيتعرّضها لكنّك عرفت جواز جعل المنافع مبيعة فضلا عن جعلها ثمنا بل عرفت جواز بيع متعلَّق الحقوق من الأوقاف والمباحات وعدم إطلاق المال على ذلك لا يضرّ بعد أن كان أخذ المال في التعريف منزّلا على الغالب وإنّما العبرة على أن يكون العوضان داخلين تحت السّلطان وتحت الاستيلاء كانا مالين أو كانا متعلَّقي حقّ أو لا هذا أو لا ذاك كسلطنة الشخص على نفسه وقد تقدّم أنّ بيع الشخص نفسه أو عمل نفسه أو منفعة نفسه داخل تحت الاعتبار العرفي ومنع الشّارع عن بعض ذلك مقام آخر خارج عن محلّ الكلام من تحقّق مفهوم البيع العرفي قوله قدس سره وأمّا الحقوق إلخ لا يخفى أنّ نفس الحق لا يقبل جعله عوضا ولا معوّضا كنفس الملك بمعنى العلقة وإنّما القابل له هو المملوك ومتعلَّق الحقّ وأثر جعلهما عوضا أو معوّضا انتقال الملك والحقّ من جانب إلى آخر ثم الظَّاهر إنّ الفرق بين الحقّ والملك بعموم الاستيلاء والسّلطان وخصوصه فالملك يكون بدخول الشيء تحت السّلطان بتمام شؤونه وكافّة حيثيّاته والحقّ يكون بدخوله تحت السّلطان ببعض جهاته وحيثياته فالشّخص مسلَّط على أمته بأن يبيع ويهب وينكح إلى آخر التصرّفات السّائغة فيقال حينئذ إنّ الأمة ملكه وأيضا مسلَّط على زوجته في خصوص المباضعة فيقال إنّ الزّوجة متعلَّق حقّه وكذا الحال في العين المملوكة والعين المستأجرة إلى غير ذلك من موارد الحقّ والملك ثم إنّ المصنّف قسّم الحقّ على أقسام ثلاثة قسم لا يقبل النّقل مطلقا وقسم يقبله مطلقا وقسم يقبله مجّانا ولا يقبله بعوض ولا يخفى أنّ التقسيم المذكور تقسيم له بالنّظر إلى التعبّد الشّرعي والكلام فعلا في البيع العرفي وكلّ الأقسام الثلاثة قابلة التعلَّق البيع بها عرفا وقابلة للنّقل بسائر النّواقل مجّانا وبعوض ومنع الشّارع عن ذلك مقام آخر ومنه يظهر أنّ كلّ حقّ شكّ في قبوله للنّقل شرعا جاز التّمسك بقبوله له بعموم أوفوا بالعقود وتجارة عن تراض وأحلّ اللَّه البيع بعد تعلَّق البيع به وكذا تعلَّق سائر المعاملات به عرفا وتحقّق عناوين البيع والتجارة والعقد الَّتي هي عناوين الأدلَّة قوله قدس سره لأنه لا مانع من كونه تمليكا فيسقط إذا لم يكن مانع من كونه تمليكا فلم يسقط وإذا كان مانع من كونه تمليكا فلم يثبت وقد تقدّم ما يوضح حقيقة ذلك وأنّ معنى ملك الذّمة عين براءة الذّمة كما أنّ معنى ملك النّفس عين إطلاقه عن قيد العبوديّة فلا مانع من كونه تمليكا وتستمرّ هذه الملكيّة بلا سقوط يعني تحصل براءة الذّمة بشراء الذّمة وتستمرّ هذه البراءة وهي عين معنى ملك الذّمة وعدم كونها تحت القيد وتحت سلطان أحد فسلطنة الغير على الشخص إذا انتقلت إلى الشخص كان معنى ذلك خروج الشخص عن القيد إلى الإطلاق والإرسال وهذا معنى ملك النّفس والحاصل أنّ الملك يطلق بمعنى واحد على ملك النّفس وملك الخارج من النّفس وهو في ملك الخارج من النّفس معناه العبوديّة وفي ملك النفس معناه الحريّة فالعبد إذا اشترى نفسه من مولاه انتقل إليه عين ما كان لمولاه من الملكيّة وإن كانت هذه الملكيّة حينما كانت للمولى كان معناها الرقيّة ولمّا تحوّلت إلى النّفس صار معناها الحريّة والإطلاق والإرسال قوله قدس سره والحاصل أنه يعقل أن يكون مالكا لما في ذمّته كيف يعقل أن يكون مالكا لما في ذمّته ويكون مشغول الذّمة لنفسه ولو كان معقولا لما كان وجه للسقوط بل كما جاز حدوث الاشتغال جاز دوامه إلَّا بالمعنى الَّذي قلناه على أن يكون معنى ملك الذّمة براءة الذّمة عن الاشتغال للغير وهذا كما يحدث كذلك يدوم وكما يجري في ملك الذّمة كذلك يجري في ملك الحقوق ويكون معنى انتقال الحقّ إليه عدم استحقاق الغير منه شيئا ثم إنّ في المقام خبطا واضحا فإنّ محلّ الكلام في الحقوق هو جواز جعله عوضا ولو بنقله إلى أجنبيّ لا خصوص نقله إلى من عليه الحقّ فإنّ محذور ذلك هو عدم معقوليّة استحقاق الشخص من نفسه شيئا وهذا محذور آخر لا دخل له بجهة كون الحقّ قابلا للنّقل أو غير قابل للنّقل بل كلّ الحقوق غير قابلة للنّقل إلى من عليه الحقّ بجهة هذا المحذور قوله قدس سره والسّر أنّ الحقّ سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد ملك الذّمة أيضا كالحقّ لا يعقل قيام طرفيه بشخص واحد والسّر أنّ هذا الملك كالحقّ في الاحتياج إلى من عليه الملك وإنّما لا يحتاج إلى من عليه الملك ملك الأعيان الخارجيّة فلا يعقل أن يملك الشّخص شيئا في ذمّة نفسه وتكون ذمّته مشغولة لنفسه إلَّا بالمعنى الذي قلناه على أن يكون ملك الذّمة عين براءتها عن الاشتغال للغير بلا حدوث اشتغال للنفس ونظيره أن ينتقل إليه حقّ لآخر عليه فإنّ معناه سقوط ذلك الحق وخروج الشّخص عن استحقاق آخر عليه قوله قدس سره من أخذ المال في عوض المبايعة وجه الجواز غير مذكور في العبارة ولعلَّه هو كون المال مثالا لمطلق ما للشخص سلطنة واستيلاء عليه فيشمل السّلطنة على النّفس وعلى أعمال النفس ويشمل السّلطنة على الأمور الخارجيّة سلطنة كاملة يعبّر عنها بالملك أو سلطنة ناقصة يعبّر عنها بالحقّ قوله قدس سره إلَّا أن الفقهاء قد اختلفوا في تعريفه ما يصدر من المتبايعين في مقام البيع أمور أربعة مترتّب بعضها على بعض فأوّل ما يصدر الإيجاب والقبول وقد عرّف البيع بالإيجاب والقبول أو الإيجاب بشرط تعقّب القبول وعليه يكون لفظ البيع كلفظ الكلام والقول من مقولة الألفاظ وإن كان ذلك أيضا باعتبار المعنى كلفظ التّكبير والتّهليل لقول اللَّه أكبر وقول لا إله إلَّا اللَّه باعتبار معناهما ثم يتعنون الإيجاب والقبول بكونهما إنشاء للبيع وذلك إذا قصد بهما إنشاء النقل وقد عرّف البيع بإنشاء تمليك العين بمال ثم يتعنون الإنشاء المذكور بكونه نقلا للمال وذلك حيث يكون الإنشاء عن جدّ مع اجتماعه بسائر ما يعتبر في التأثير في نظر العرف وقد عرّف البيع بالنّقل مع تقييده بأن يكون بالصّيغة المخصوصة ثمّ في المرتبة الأخيرة يتحقق انتقال المال من كلّ من الجانبين إلى الجانب الآخر وقد عرّف البيع بالانتقال وكلّ هذه التعاريف نائية عن السّداد مشتركة في عدم قبولها للإنشاء مع أنّ البيع من المعاني الإنشائية فإنّ الإيجاب والقبول كيف ينشئان وكذا الإنشاء الَّذي هو تعريف المصنّف كيف ينشأ وكذا النّقل بالصّيغة المخصوصة باعتبار تقييده بالصّيغة المخصوصة كيف ينشأ وإن كان نفس النّقل قابلا للإنشاء وكذا الانتقال الخارجي أثر للإنشاء وليس هو ممّا ينشأ هذا مضافا إلى الإشكالات الخاصّة المتوجّهة إلى كلّ تعريف وقد أشار المصنّف إلى بعضها وسنشير إلى بعض آخر منها قوله قدس سره وحيث إنّ في هذا التعريف مسامحة واضحة مسامحة هذا التعريف ليس بأشدّ من مسامحة تعريفه بالنّقل أو بالإنشاء أو المسامحة في تعريف البيع بالمصدر مع أنّ المعرّف البيع بمعنى اسم المصدر ولا فرق في المسامحة بين أن يعرّف بالنّقل أو بالانتقال فإنّ النّقل والانتقال أمر واحد والاختلاف في النّسبة إلى الفاعل والقابل وكلّ من النّسبتين خارج عن معنى البيع وإنّما معنى البيع ذلك الواحد الموجود في كلّ من النّسبتين قوله قدس سره ويرد عليه مع أنّ النّقل ليس مرادفا هذا الإيراد غير متّجه بعد أن قيّد النّقل في التعريف بأن يكون بالصّيغة المخصوصة وكون التّقييد بذلك باطلا لا يوجب إطلاق التعريف الموجب لتوجّه هذا الإيراد قوله قدس سره ولا يندفع هذا بل مقتضى ما ذكره أنّه يندفع هذا ويتولَّد إشكال آخر ولكن الحقّ عدم الاندفاع فإنّ الصّيغة المخصوصة إن كان قيدا دخيلا في التعريف فالإشكال بعدم قبول الإنشاء بحاله وإن لم تكن قيدا فليلغ من التعريف قوله قدس سره لأنّه أريد بالصّيغة المخصوصة خصوص بعت لا يقال إنّ المراد من الصّيغة المخصوصة لفظ بعت والمعرّف بالفتح معنى البيع فلم يؤخذ المعرّف في المعرّف حتى يلزم الدّور فإنا نقول إنّ لفظ بعت بما هو هذا اللَّفظ لا أثر له في حصول النّقل وإنّما النّقل يحصل بهذا اللَّفظ قاصدا به إنشاء معناه فيحتاج إلى العلم بمعناه فينتهي إلى أخذ البيع في تعريف البيع قوله قدس سره وإن أريد بها ما يشمل ملكت في العبارة قصور والمقصود إرادة خصوص ما عدا صيغة بعت لا ما يشمل صيغة بعت وغير بعت